يبدو أن مشاهد الولائم الممتدة وحفلات الزواج الباهظة والصاخبة في طريقها للتواري والاندثار، فالبروتوكولات الوقائية التي تنفذها الدولة -أيدها الله- لمنع تفشي الجائحة شكلت وعياً مجتمعياً جديداً يتكئ على عوامل رئيسة ومهمة يتقدمها الأمان الصحي والسلامة المجتمعية، وتدفع نحو مكاسب متعددة يتصدرها الترشيد المالي، وتقليص الأعباء التنظيمية، والراحة النفسية، وتمتد نحو الدعوة المباشرة التي قد تضطر المدعو أيضاً للاقتراض تبعاً للعرف الاجتماعي، ويجمع أكاديميون ومختصون أن حفلات الزواج البسيطة والمحدودة والميسرة في كنف العائلة تُعد حلًّا لمشكلة العنوسة وعزوف الشباب خشية قيود الديون وصعوبة الحياة بعد الارتباط.

آثار إيجابية

وقال د. علي بن إبراهيم الزهراني -أستاذ التربية بالجامعة الإسلامية-: في ظل الجائحة العالمية وانعكاساتها السلبية برزت آثار إيجابية مهمة منها توجه الأسر إلى ما يعرف بالزواجات المختصرة أو العائلية، وتنازلها عن بعض العادات والطقوس السابقة بحجة أنها فرصة العمر والذكرى التي تبقى في حياة الزوجين، لتنفق في سبيل هذه المفاهيم الخاطئة أموال طائلة، ويبقى الشاب أسيراً ومكبلاً بالديون، فكانت الأزمة حداً فاصلاً لمرحلتين، ولحظة حاسمة لتجديد الثقافة ومواكبة الظرف، وقد أكدت التجربة أن الحفلات البسيطة مقبولة مجتمعياً بل ومحل ترحيب، فقد أدرك الجميع أن المظاهر والبذخ والإسراف والطقوس التي ما أنزل الله بها من سلطان تضم مخالفات شرعية وعرفية، وكل ما نرجو أن تستمر هذه الحفلات الميسرة لتصبح ممارسة لا تختفي بانتهاء الوباء.

يُسر وسماحة

وأوضح د. فهد بن محمود السيسي -رئيس الأنظمة بالجامعة الإسلامية- أن شريعة الإسلام وقوانينه جاءت باليسر والسماحة فيما يتعلق بجميع قوانين الأحوال الشخصية وأنظمتها، والزواج عبادة شرعية ومعاملة بشرية لها مقاصد ودوافع، ومقاصدها تتلخص في حفظ الدين وحفظ النسل، وبه أيضاً يكون حفظ النفس من إلقائها في بحار الشهوات، وبما أنه قد مضت سنّة الله بأن في كل محنة منح كانت هذه الجائحة كورونا بلاء في خباياه عطايا، فمع ما حصل فيها من تغيرات اقتصادية وسياسية حصل فيها كذلك تغيرات اجتماعية أثمرت أمراً إيجابياً، وهو تغيير مفاهيم المجتمع حول المناسبات والأعراس، وتغيير منطلقات الآباء بالنظر في أمور زواجات الأبناء، فأصبح المفهوم لدى الشباب أن المقصد من الزواج هو محض الارتباط والعفاف، وأن هذا الارتباط والعفة لا يلزم أن يكون الطريق إليه مشوباً بالديون والتبعات المالية المرهقة، لذلك جاءت الشريعة باليسر فيه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر عن المقلين دون المتكلفين فقال: "أقلهن مؤونة أكثرهن بركة".

خير كثير

وذكر د. السيسي أن هذه النماذج من الزواجات التي جرى التنويه عليها من الجهات الحكومية بحصرها بعدد معين ومدة معينة، وجعلها بصورة مختصرة فيها خير كثير، فتتمم المناسبات دون عناء ومشقة، وهذا الأمر قطعاً يجعل الفرح في قلب الشاب مضاعفاً خلاف إقباله على الزواج وقد دعا إليه المئات ممن يعرف وأقبل عليه الناس وأقامه على التزامات مالية، وهذه الخطوة المباركة تندمج مع القرارات الموفقة المرتبة بهذه الجائحة، وحريٌّ بنا كمجتمع التمسك بها حتى بعد زوال الجائحة ليتم بحول الله اليسر في الاجتماعات والبركة في الزواجات.

زواج عائلي

وتحدث زياد بن منصور القرشي -باحث شرعي ومأذون أنكحة- قائلاً: إن الزواج في الإسلام مبني على اليسر والسهولة حيث كانت وليمة زواج الرسول -صلى الله عليه وسلم- على أم المؤمنين صفية -رضي الله عنها- بسويق وتمر، وأولم عليه الصلاة والسلام في زواجه بأم المؤمنين زينب -رضي الله عنها- بشاة، مضيفاً أن مما ساهم في تقليل تكاليف الزواج هذه الأيام الأنظمة والإجراءات التي سنتها الدولة المباركة -حفظها الله- لوباء كورونا، فأصبح عدد المدعوين لحفل الزواج لا يزيد عن خمسين شخصاً، واقتصار ساعات الحفل على خمس ساعات، فأصبح الزواج عائلياً، وابتعد عن الإسراف والمبالغة في التكاليف المالية التي تثقل كاهل الزوج وأهله، وصرف الأموال الطائلة على حفل ومأدبة الزواج واستئجار قصور وقاعات الأفراح بأغلى الأثمان، وكذلك الإسراف والتبذير في صنع الأطعمة والأشربة المتنوعة التي يرمى أكثرها، وصرف المبالغ الباهظة على تجهيزات الفرح وحجوزات الطيران للسفر لبلاد متعددة بعد الزواج، وقد نهى الشرع الحكيم عن الإسراف وحذر منه أشد تحذير وجعل المسرفين إخوان الشياطين.

عبء وثقل

ودعا القرشي أولياء أمور الفتيات إلى تيسير زواج بناتهم، والوقوف والتعاون مع الشاب في إكمال نصف دينه وتيسير الزواج، لأن المبالغة في التكاليف نتائجها سلبية متعددة منها عدم نجاح الزواج وفشله، وارتفاع نسبة الطلاق في المجتمع، كما أنه يشكل عبئاً وثقلاً على الزوج في مقتبل حياته لعدم امتلاكه الأموال الكافية مما يدخله في الاقتراض من البنوك، وتراكم الديون التي تسبب له كثرة الضغوط النفسية والهموم والغموم التي تنعكس على حياته الزوجية وتؤدي إلى عدم الاستقرار الأسري والمشكلات الزوجية، ناصحاً بالابتعاد عن المظاهر وتقليد الآخرين؛ لأنها من أسباب عزوف كثير من الشباب عن الزواج، وكثرة نسبة العنوسة في المجتمع.





حوافز إقدام

وأكد بندر بن سليم الصاعدي -باحث- على أنه في حال اتجه المجتمع إلى اختصار حفلات الزواج وتيسيره على الشباب فإن دوافع وحوافز الإقدام ستتضاعف، منوهاً بالقرارات الأخيرة المرتبطة بالجائحة والتي دفعت المجتمع نحو البساطة والتركيز على الأولويات وبناء القيم الحقيقية المتمثلة في تشييد الأسرة وترابطها، ونشر الفرح والسعادة والمحبة والألفة بين أفرادها، لافتاً إلى أن الثقافة السائدة في مجتمعاتنا خلال الآونة الأخيرة كانت قائمة وللأسف الشديد على مظاهر الترف والبذخ والإسراف بشكل غير مبرر، وكان كل ذلك ينعكس سلباً على الشباب الذين يقعون تحت وطأة الديون وإرهاق الأقساط الشهرية، وكثرة المتطلبات الحياتية التي كانت كماليات فأصبحت ضرورات لا يمكن الاستغناء عنها، محذراً من الالتفات للمظاهر الخداعة، فبعد صخب حفلات الزفاف يخرج الزوجان محملين بأعباء ينوءان عن حملها وتثقل حياتهما وتصيبهما بالقلق والتوتر والمشاحنات انتهاء بالمشكلات وربما الانفصال.